السيد كاظم الحائري
603
تزكية النفس
وثانيهما : غبار الشهوات أو المعاصي ، والتي إذا كثرت أوجبت الرين على القلب كما ورد في القرآن : كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ « 1 » . والعلاج الوحيد لذلك بعد الالتجاء إلى اللّه تعالى التقوى والورع ، فكلّما زادت التقوى خفّ الغبار والرين إلى أن يرتفع ، بل قد يقوى ويشتدّ نور الضمير والوجدان نتيجة للتقوى أكثر من أصله الذي كان ، فتنعكس فيه الحقائق أكثر من ذي قبل ، وقد يكون هذا ممّا يشير إليه قوله تعالى : . . . وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ . . . « 2 » ، وقوله عزّ وجلّ : . . . إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً . . . « 3 » ، وقوله عزّ من قائل : وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ « 4 » . ولا ينبغي أن نغفل عن الدعاء والالتجاء إلى اللّه سبحانه وتعالى للتوفيق لذلك ؛ لأنّ التوفيق من اللّه ؛ فإنّ اللّه - تعالى - يقول : . . . وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً . . . « 5 » ، فلو أنّ اللّه - تبارك وتعالى - أراد أن يذكي ضميرنا ووجداننا وعقلنا انتهينا إلى كلّ خير ، ولو أنّ اللّه - تعالى - أوكلنا إلى أنفسنا طرفة عين لهلكنا ، وكلّ مساعينا إن هي إلّا مقدّمات إعدادية للإفاضة من اللّه سبحانه وتعالى قد تفضّل اللّه - تعالى - علينا بإقدارنا عليها ، وأمرنا بالالتزام بها . وقد ورد في الحديث عن ابن أبي يعفور قال : « سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول - وهو رافع يده إلى السماء - : ربّ لا تكلني إلى نفسي طرفة عين أبدا ، لا أقلّ من ذلك ولا أكثر ، قال : فما كان بأسرع من أن تحدر الدموع من جوانب لحيته ، ثمّ أقبل عليّ فقال : يا بن أبي يعفور ، إنّ يونس بن متى وكّله اللّه - عزّ وجلّ - إلى نفسه أقلّ
--> ( 1 ) السورة 83 ، المطففين ، الآية : 14 . ( 2 ) السورة 2 ، البقرة ، الآية : 282 . ( 3 ) السورة 8 ، الأنفال ، الآية : 29 . ( 4 ) السورة 29 ، العنكبوت ، الآية : 69 . ( 5 ) السورة 24 ، النور ، الآية : 21 .